محمد الريشهري

2832

ميزان الحكمة

بعض فوائد الدين باشتراكه مع المؤمنين في مواريثهم ومناكحهم وغيرهما حتى إذا حان حين الموت وهو الحين الذي فيه تمام الاستفادة من الإيمان - ذهب الله بنوره وأبطل ما عمله وتركه في ظلمة لا يدرك فيها شيئا ويقع بين الظلمة الأصلية وما أوجده من الظلمة بفعاله . وقوله تعالى : * ( أو كصيب من السماء . . . ) * إلخ الصيب هو المطر الغزير ، والبرق معروف ، والرعد هو الصوت الحادث من السحاب عند الإبراق ، والصاعقة هي النازلة من البروق . وهذا مثل ثان يمثل به حال المنافقين في إظهارهم الإيمان ، أنهم كالذي أخذه صيب السماء ومعه ظلمة تسلب عنه الإبصار والتمييز ، فالصيب يضطره إلى الفرار والتخلص ، والظلمة تمنعه ذلك ، والمهولات من الرعد والصاعقة محيطة به ، فلا يجد مناصا من أن يستفيد بالبرق وضوئه وهو غير دائم ولا باق متصل كلما أضاء له مشى وإذا أظلم عليه قام . وهذه حال المنافق ، فهو لا يحب الإيمان ولا يجد بدا من إظهاره ، ولعدم المواطأة بين قلبه ولسانه لا يستضئ له طريقه تمام الاستضاءة ، فلا يزال يخبط خبطا بعد خبط ويعثر عثرة بعد عثرة فيمشي قليلا ويقف قليلا ويفضحه الله بذلك ، ولو شاء الله لذهب بسمعه وبصره فيفتضح من أول يوم ( 1 ) . قوله تعالى : * ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان . . . ) * إلخ ، قال الراغب : الشكس - بالفتح فالكسر - سئ الخلق ، وقوله : * ( شركاء متشاكسون ) * أي متشاجرون لشكاسة خلقهم . انتهي وفسروا السلم بالخالص الذي لا يشترك فيه كثيرون . مثل ضربه الله للمشرك الذي يعبد أربابا وآلهة مختلفين فيشتركون فيه وهم متنازعون فيأمره هذا بما ينهاه عنه الآخر وكل يريد أن يتفرد فيه ويخصه بخدمة نفسه ، وللموحد الذي هو خالص لمخدوم واحد لا يشاركه فيه غيره فيخدمه فيما يريد منه من غير تنازع يؤدي إلى الحيرة ، فالمشرك هو الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون ، والموحد هو الرجل الذي هو سلم لرجل . لا يستويان بل الذي هو سلم لرجل أحسن حالا من صاحبه . وهذا مثل ساذج ممكن الفهم لعامة الناس لكنه عند المداقة يرجع إلى قوله تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * ( 2 ) وعاد برهانا على نفي تعدد الأرباب والآلهة . وقوله : * ( الحمد لله ) * ثناء لله بما أن عبوديته خير من عبودية من سواه . وقوله : * ( بل أكثرهم لا يعلمون ) * مزية عبادته على عبادة غيره على ماله من الظهور التام لمن له أدنى بصيرة ( 3 ) . قوله تعالى : * ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ . . . ) * إلى آخر الآية ، ما في الآية من المثل المضروب يفرض عبدا مملوكا

--> ( 1 ) الميزان : 1 / 55 . ( 2 ) الأنبياء : 22 . ( 3 ) الميزان : 17 / 258 .